وهبة الزحيلي

182

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الأول : أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورا لاستنكف منها . الثاني - أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين : السعي في قتل رجل مسلم بغير حق ، وإلى الطمع في زوجته ، وكلاهما منكر . الثالث - أن اللّه تعالى وصف داود عليه السلام قبل ذكر هذه القصة بصفات عشر ، ثم وصفه أيضا بصفات كثيرة بعد هذه القصة ، وكل هذه الصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفا بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح « 1 » . والرواية الصحيحة لهذه القصة : أن داود عليه السلام كان يقسم وقته الأسبوعي أثلاثا : ثلث لشؤون الملك ، وثلث للقضاء بين الناس ، وثلث آخر للخلوة والعبادة وترتيل الزبور في المحراب « 2 » ، فتجاوز خصمان هذا النظام ، وتسورا عليه المحراب من فوق الجدار طلبا للمحاكمة في غير موعدها ، ففزع منهما ، وظن أنهما جاءا لاغتياله ، وهو منفرد في محرابه لعبادة ربه ، والخصمان بشران لا ملكان ، والنعاج : المواشي ، لا النساء . إلا أنه بادر إلى الحكم والقضاء قبل سماع بينة الخصم الآخر ، فعاتبه اللّه على ذلك ، ونبهه إلى وجوب تثبت القاضي وسماع الخصم الآخر ، قبل إصدار الحكم . وسأبين أن هذا أيضا محل نظر ، فإنه لا يعقل أن يحكم داود عليه السلام قبل سماع قول الخصم الآخر ، فهذا من مبادئ الحكم الأولية التي لا تترك .

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 26 / 189 ( 2 ) وقال ابن عباس : جزّأ أزمانه أربعة أجزاء : يوما للعبادة ، ويوما للقضاء ، ويوما للاشتغال بخواص أموره ، ويوما لجميع بني إسرائيل ، فيعظهم ويبكيّهم ، فجاءوه في غير القضاء ، ففزع منهم ، لأنهم نزلوا عليه من فوق ، وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله ، لا يتركون من يدخل عليه ، فخاف أن يؤذوه . ( البحر المحيط : 7 / 391 ) .